الشيخ محمد هادي معرفة
501
التفسير الأثرى الجامع
والتداين من أعظم أسباب رواج المعاملات وبثّ روح العمل والتنمية في الاقتصاد العامّ . فإنّ المقتدر على تنمية المال قد يعوزه رأس المال ، فيضطرّ إلى التداين ليظهر مواهبه في التجارة أو الصناعة أو الزراعة . كما أنّ صاحب المال قد ينضب لديه المال فيتعطّل نشاطه ، فيحتاج إلى التداين لسدّ ثغرته واستمراره في العمل الجادّ . وهكذا يعمل التداين في تنشيط عوامل تنمية الاقتصاد . والخطاب في الآية موجّه إلى عامّة المسلمين ، حيث ضرورة حياتهم الاقتصاديّة إلى التداين ، بعضهم من بعض ، فالمعوز يتداين من المثري فضل ماله ، وهذا يتداين إذا قصر ماله للإنتاج والعمل المثمر ، وهكذا يتعاضد المسلمون بعضهم من بعض ، وينشط العمل النافع ويزدهر الاقتصاد في أنحاء البلاد . يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى تتقدّر بالتعيين لئلّا يقع التشاجر فيما بعد فَاكْتُبُوهُ سجّلوه على الوثائق الرسميّة ، تأكيدا في التوثيق . وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كاتِبٌ بِالْعَدْلِ . هذا هو المبدأ العامّ الّذي يريد تقريره ، فالكتابة أمر مفروض بالنصّ ، فرضا إرشاديّا دون توقّع اختلاف بينكم . ومن ثمّ : وَلا يَأْبَ كاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَما عَلَّمَهُ اللَّهُ أي كما أراده اللّه من العدل بين الطرفين فلا يميل في كتابته مع أحد الطرفين ولا ينقص ولا يزيد ، مع كمال الاحتياط وتمام الضبط . وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وهو المدين ، يملل على الكاتب اعترافه بالدين ومقدار الدين وشرطه وأجله ، بتمام وكمال . وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً لا ينقص منه شيئا ، لا في مقدار الدين ولا في أجله أو ما اشترط عليه . فَإِنْ كانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً في البيان أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ . وعلاوة على الكتابة والتسجيل بالنصّ : وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ تعتمدونهم في مهامّ أموركم . ثمّ بيّن - سبحانه - علّة جعل المرأتين بمنزلة رجل واحد ، وقال : أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى ، أي حذر أن تضلّ إحداهما أي تخطئ ، لعدم ضبطها وقلّة عنايتها ، فتذكّر إحداهما الأخرى ، تنبّهها على ما غفلت عنه ، فتكون شهادتها متمّمة لشهادة تلك . أي أنّ كلّا منهما